العلامة المجلسي

43

بحار الأنوار

الفطن البصير إلى مؤدب موقف يوقفه على منافعه ، ويعلمه ما يضره ، ولما كانت بنية الناس وما خلقهم الله بهذه الصفة لابد أن يكون عندهم علم كثير من الأغذية التي تقوم بها أبدانهم ، لأنها سبب حياتهم ، وكان البهائم في ذلك أهدى منهم ، ثبت ما أوردناه من الأمر والنهي اللذين يتبعهما الثواب والعقاب . قال المعترض : وقد وجدنا بعض البهائم يأكل ما يكون هلاكه فيه من السمام القاتلة ، فلو كان هذا كما ذكرتم من أنها تعرف الضار من النافع بالشم والتنسم لما أصابهم ذلك . قيل : هذا الذي ذكرتم لا يكون على العموم ، وإنما يكون في الواحد بعد الواحد لعلة ما لأنه ربما اضطره الجوع الشديد إلى أكل ما يكون فيه هلاكه ، أو لاختلاط جميع أنواع الحشايش بعضها ببعض كما أنا قد نجد الرجل العاقل قد يقف على ما يضره من الأطعمة ، ثم يأكله إما لجوع غالب أو لعلة يحدث أو سكر يزيل عقله ، أو آفة من الآفات ، فيأكل ما يعلم أنه يسقمه ويضره ، وربما كان تلف نفسه فيه ، وإذا كان هذا موجودا في الانسان الفطن العاقل ، فأحرى أن يجوز مثله في البهائم . ووجه آخر وهو أن الله سبحانه إذا أراد قضاء أجله خلى بينه وبين الحال التي بمثلها يتم عليه ذلك ، ومثل هذا يعرض دون العادة العامة ، ولأنا قد نرى الفراخ من الدجاج وما يجري مجراها من أجناس الطير يخرج من البيضة فتلقى له السموم من الحبوب القاتلة مثل حب البنج والسناء ، فيحتذر عنه وإذا القي عليه غذاؤها بادرت إليه فأكلته ولم يتوقف عنه ، فبطل الاعتراض . ولما ثبت لنا أن قوام الأمة بالأمر والنهي الوارد عن الله عز وجل صح لنا أنه لابد للناس من رسول من عند الله ، فيه صفات يتميز بها من جميع الخلق منها العصمة من سائر الذنوب وإظهار المعجزات وبيان الدلالات لنفي الشبهات طاهر مطهر متصل بملكوت الله سبحانه غير منفصل ، لأنه لا يؤدي عن الله عز وجل إلى خلقه إلا من كانت هذه صفته ، فصح موضع المأمومين الذين لا عصمة لهم